ابن كثير
352
البداية والنهاية
فطلقها عبد الملك ، فلما تزوجها علي بن عبد الله بن عباس هذا نقم عليه الوليد بن عبد الملك لأجل ذلك ، فضربه بالسياط ، وقال إنما أردت أن تذل بنيها من الخلفاء ، وضربه مرة ثانية لأنه اشتهر عنه أنه قال : الخلافة صائرة إلى بيته ، فوقع الامر كذلك ( 1 ) . وذكر المبرد أنه دخل على هشام بن عبد الملك ومعه ابناه السفاح والمنصور وهما صغيران ، فأكرمه هشام وأدنى مجلسه ، وأطلق له مائة وثلاثين ألفا ( 2 ) ، وجعل علي بن عبد الله يوصيه بابنيه خيرا ، ويقول : إنهما سيليان الامر ، فجعل هشام يتعجب من سلامة باطنه وينسبه في ذلك إلى الحمق ، فوقع الامر كما قال . قالوا : وقد كان علي في غاية الجمال وتمام القامة ، كان بين الناس كأنه راكب ، وكان إلى منكب أبيه عبد الله ، وكان عبد الله إلى منكب أبيه العباس ، وكان العباس إلى منكب أبيه عبد المطلب ، وقد بايع كثير من الناس لابنه محمد بالخلافة قبل أن يموت علي هذا قبل هذه السنة بسنوات ، ولكن لم يظهر أمره حتى مات فقام بالامر من بعده ولده عبد الله أبو العباس السفاح ، وكان ظهوره في سنة اثنتين وثلاثين كما سيأتي إن شاء الله تعالى . عمرو بن شعيب ، وعبادة بن نسي ، وأبو صخرة جامع بن شداد ، وأبو عياش المعافري . ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائة ففيها غزا الوليد بن القعقاع بلاد الروم . وفيها قتل أسد بن عبد الله القسري ملك الترك الأعظم خاقان ، وكان سبب ذلك أن أسد بن عبد الله أمير خراسان عمل نيابة عن أخيه خالد بن عبد الله على العراق ، ثم سار بجيوشه إلى مدينة ختل فافتتحها ، وتفرقت في أرضها جنوده يقتلون ويأسرون ويغنمون ، فجاءت العيون إلى ملك الترك خاقان أن جيش أسد قد تفرق في بلاد ختل ، فاغتنم خاقان هذه الفرصة فركب من فوره في جنوده قاصدا إلى أسد ، وتزود خاقان وأصحابه سلاحا كثيرا ، وقديدا وملحا ، وساروا في حنق عظيم ، وجاء إلى أسد فأعلموه بقصد خاقان له في جيش عظيم كثيف ، فتجهز لذلك وأخذ أهبته ، فأرسل من فوره إلى أطراف جيشه ، فلمها وأشاع بعض الناس أن خاقان قد هجم على أسد بن عبد الله فقتله وأصحابه ، ليحصل بذلك خذلان لأصحابه ، فلا يجتمعون إليه ، فرد الله كيدهم في نحورهم ، وجعل تدميرهم في تدبيرهم ، وذلك أن المسلمين لما سمعوا بذلك أخذتهم حمية الاسلام وازدادوا حنقا على عدوهم ، وعزموا على الاخذ بالثأر ، فقصدوا الموضع الذي فيه أسد ، فإذا هو حي قد اجتمعت عليه العساكر من كل جانب ، وسار أسد نحو خاقان حتى أتى جبل الملح ، وأراد أن يخوض نهر بلخ ، وكان معهم أغنام كثيرة ، فكره أسد أن يتركها
--> ( 1 ) وفيات الأعيان 3 / 275 - 276 . ( 2 ) انظر الكامل للمبرد 1 / 368 . وفيه : ثلاثون ألف درهم .